محمد بن محمد ابو شهبة
265
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
من الجبال عسى أن يجد هذا الذي جاءه بحراء حتى وصل جبريل ما انفصم ، وعاد الوحي وتتابع . رواية موهمة وفي بعض روايات صحيح البخاري « 1 » : « ثم لم ينشب ورقة أن توفي ، وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم - فيما بلغنا « 2 » - حزنا غدا منه مرارا كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال ، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدّى له جبريل ، فقال : يا محمد إنك رسول اللّه حقا ، فيسكن لذلك جأشه ، وتقر نفسه ، فيرجع ، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك ، فإذا أوفى بذروة جبل تبدّى له جبريل فقال له مثل ذلك » . وهذه الرواية ليست على شرط الصحيح لأنها من البلاغات ، وهي من قبيل المنقطع ، والمنقطع من أنواع الضعيف ، والبخاري لا يخرج إلا الأحاديث المسندة المتصلة برواية العدول الضابطين ، ولعل البخاري ذكرها لينبهنا إلى مخالفتها لما صح عنده من حديث بدء الوحي ، الذي لم تذكر فيه هذه الزيادة . ولو أن هذه الرواية كانت صحيحة لأوّلناها تأويلا مقبولا ، أما وهي على هذه الحالة فلا نكلف أنفسنا عناء البحث عن مخرج لها . وأيضا فإن ما استفاض من سيرته صلّى اللّه عليه وسلّم يرد ذلك ، فقد حدثت له حالات أثناء الدعوة إلى ربه أشد وأقسى من هذه الحالة ، فما فكر في الانتحار بأن يلقي نفسه من شاهق جبل أو يبخع نفسه ، وسترى فيما يأتي أنه لما عرض عليه عمه أن يكف عن قريش ، ويبقي عليه وعلى نفسه ، وكان عمه هو ناصره الوحيد من
--> ( 1 ) كتاب التعبير - باب أول ما بدىء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الوحي الرؤيا الصادقة . ( 2 ) قال الحافظ في الفتح : « ثم إن القائل فيما بلغنا هو الزهري ، ومعنى الكلام أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه القصة ، وهو من بلاغات الزهري وليس موصولا » قال الكرماني : وهذا هو الظاهر ، ويحتمل أن يكون بلغه بالإسناد المذكور ( فتح الباري ج 16 ص 12 ط الحلبي ) .